الثلاثاء، 7 يونيو 2011

سنة أولى قدرات



جميعنا نتذكر بداياتنا الصباحية المدرسية و الوقوف في الطوابير العسكرية .. ثم يظهر ذلك الفتى المندفع و التعيس من تعليقات الطلبه .. ليقول لنا حكمة الصباح .. و نسمع شعارات نرددها عن ظهر قلب (( العقل السليم في الجسم السليم )) ، و مع تقدم السنين في مراحلنا الدراسية يظهر شعار اخر (( من جد وجد ومن زرع حصد و من صار على الدرب وصل )) ، و لا يكاد الوقت ان يمضي حتى نصطدم بشعارٍ قتاليٍ دمويٍ عنيف (( الوقت كالسيف ,, إن لم تقطعه ,, قطعك )) .

و بالنظر إلى شعاراتنا التعليمية نتذكر كثيرا الشعارات الانتخابية في العالم العربي (( أحلام وردية ))  و نجد كمية من التناقض فيها (( المفترض شيء ,, و ,, الواقع شيءٌ آخر )) فعلى سبيل المثال (( العقل السليم في الجسم السليم )) تمثل علاقة عكسية على واقع الكراسي الدراسية فالصف الأمامي المتفوق (( درجاتياً )) لا يعرف الرياضة سوى على الشاشة الفضية و الدليل  هو ذلك البون الشاسع في الأحجام و الأوزان ,, و بالعودة الى الوراء يصاحبك احساس بالعزلة عن اي معلومة قد تثري عقلك و تسمع حديث كروي ثائر بتعصب لا منطقي و من فرط حماسهم يصلون إلى ان  يرفع منتخبنا كأس العالم و لكن يعود الجدال على من يجب ان يرفع الكأس .. فأين الخطأ هل هو في الشعار الذي لا غبار عليه ام انه في تفسير الشعار و خطة الإنتاج لتلك العقول السليمة و الأجسام السليمة  من خلال وزاراتنا التعليمية الكريمة ؟! 

و بالانتقال للشعار الآخر (( من جد وجد و من زرع حصد و من سار على الدرب وصل )) نجد ان لسان الحال يقول شيء اخر : (( من فهم قعد و من حفظ حصد و من سار بالواو وصل )) و اقصد بذلك بالنظر إلى مخرجات تعليمنا على ارض الواقع بأنك عزيزي الطالب : في حالة بحثك عن الفكر و الاستيعاب دون الاهتمام بالدرجات بشكل مباشر فلقد حكمت على نفسك بالعطالة و التهميش و السرير المؤبد وإذا بحثت عن الدرجات بالحفظ و الفهم المؤقت  فلقد حكمت لنفسك بمقعدا جامعيا مرموقا و بالتالي وظيفة مضمونة بمكانة اجتماعية عالية و حصادك النجاح اجتماعيا ، وذلك حال معظم طلبتنا ، و بالبحث عن المعيار الذي يجعل هذا الشعار في صورته حقيقة لن تجد سوى (( القدرات ))  ثم تأتي الاصوات الابوية العاطفية الغير مدركة بمفهوم المعيار - و من الحب ما قتل -  المرتفعة المطالبة بإلغاء اختبار القدرات (( قياس )) لأنه مقياس غير عادل ، (( القدرات : ليس سوى اختبار لمعرفة قدرة الطالب على استخدام الافكار و المفردات الأساسية ، المتوقع استيعابها من خلال ملازمته لكرسي الدراسة ))  بالفعل هو غير عادل لأولئك الذين عملوا المستحيل ليحفظوا المناهج في اخر لحظاتهم على تلك الماصة البائسة ليصلوا إلى المقعد الجامعي و الوظيفة الراغبين فيها ،او كما يقولوا اخوتنا المصريين (( الاخ حافظ ,, مش فاهم )) كرسالة تهزيء بشكل رسمي مباشر ،  و بالمنطق البدائي الإنساني  فهذا الاختبار لن يقلل من عدد المقاعد الجامعية بل سيعطيها لمن يستحقها لأن العدد ثابت من خلال الميزانية و لكن الفرق في الترتيب و الأولوية، فالقدرات هو المقياس العادل الوحيد في تعليمنا و يعتبر المعيار رقم 1 في اليابان و المانيا و الدرجات تعتبر معيار ثانوي في بقية دول العالم الأول ، ، و لكثرة تلك الاصوات المزعجة و ذلك لوجود رسوم على هذا الاختبار فالحقيقة انه من الاشياء القلائل ذات القيمة المنخفضة - بالمقارنة مع باقي الرسوم في انظمتنا -  التي أفتخر بأن ادفعها كمواطن سعودي ، و لا يزال مجتمعنا في السنة الأولى لفهم اختبار القدرات ، و الجزء الأخير (( و من سار بالواو وصل )) اكثر ما يقال عنه (( لا تعليق )) و لكن التأثير السحري لـ(( القدرات )) يخفف من حدته .

و عبر بوابات التاريخ و في قراءة الحضارات لا يختلف اثنان ان الجهل الفكري  (( وليس القراءة و الكتابة )) بجميع اشكاله كان المفتاح الأساسي لبوابة الانهيار في اي حضارة ، فالجهل هو الاب الروحي للعنصرية و الظلم و الفقر و بالتالي الانهيار ، و بالتأمل في اولى اية انزلها ربنا في قرآنه الكريم و اول كلمة لظهور اعظم حضارات الارض لم تكن كلمات وعظية مباشرة ، بل كانت ايات تفكرية تعليمية (( اقرأ باسم ربك الذي خلق )) .

 (( الوقت كالسيف ,, إن لم تقطعه ,, قطعك )) شعارا جميل و اكثر من رائع و لكني سأعيد صياغته في رسالة موجهة لمجتمعنا و لتعليمنا و لأصحاب القرار في بلادنا (( الجهل كالسيف ,, إن لم تقطعه ,, قطعك )) .